فخر الدين الرازي

308

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان وسفيه بني فلان ، والرسول لا يعرف ذلك فقال تعالى : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ . المسألة الرابعة : السفه الخفة يقال : سفهت الريح الشيء إذا حركته ، قال ذو الرمة : جرين كما اهتزت رياح تسفهت * أعاليها مر الرياح الرواسم وقال أبو تمام الطائي : سفيه الرمح جاهله إذا ما * بدا فضل السفيه على الحليم أراد به سريع الطعن بالرمح خفيفه ، وإنما قيل لبذيء اللسان سفيه ، لأنه خفيف لا رزانة له وقال تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً [ النساء : 5 ] وقال عليه السلام : « شارب الخمر سفيه » لقلة عقله وإنما سمى المنافقون المسلمين بالسفهاء ، لأن المنافقين كانوا من أهل الخطر والرياسة ، وأكثر المؤمنين كانوا فقراء ، وكان عند المنافقين أن دين محمد صلى اللّه عليه وسلم باطل ، والباطل لا يقبله إلا السفيه ، فلهذه الأسباب نسبوهم إلى السفاهة ثم إن اللّه تعالى قلب عليهم هذا اللقب - وقوله الحق - لوجوه : أحدها : أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفاهة فهو السفيه . وثانيها : أن من باع آخرته بدنياه فهو السفيه . وثالثها : أن من عادى محمداً عليه الصلاة والسلام فقد عادى اللّه ، وذلك هو السفيه . المسألة الخامسة : إنما قال في آخر هذه الآية : لا يَعْلَمُونَ وفيما قبلها : لا يَشْعُرُونَ لوجهين : الأول : أن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري ، وأما أن النفاق وما فيه من البغي يفضي إلى الفساد في الأرض فضروري جار مجرى المحسوس . الثاني : أنه ذكر السفه وهو جهل ، فكان ذكر العلم أحسن طباقاً له واللّه أعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 14 إلى 15 ] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 ) هذا هو النوع الرابع من أفعالهم القبيحة ، يقال : لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه ، وقرأ أبو حنيفة : « وإذا لاقوا » أما قوله : قالُوا آمَنَّا فالمراد أخلصنا بالقلب ، والدليل عليه وجهان : الأول : أن الإقرار باللسان كان معلوماً منهم فما كانوا يحتاجون إلى بيانه ، إنما المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب ، فيجب أن يكون مرادهم من هذا الكلام ذلك . الثاني : أن قولهم للمؤمنين « آمنا » يجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يظهرونه لشياطينهم ، وإذا كانوا يظهرون لهم التكذيب بالقلب فيجب أن يكون مرادهم فيما ذكروه للمؤمنين التصديق بالقلب ، أما قوله : وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ فقال صاحب « الكشاف » : يقال خلوت بفلان وإليه ، وإذا انفردت معه ويجوز أن يكون من « خلا » بمعنى مضى ، ومنه القرون الخالية ، ومن « خلوت به » إذا سخرت منه ، من قولك : « خلا فلان بعرض فلان » أي : يعبث به ، ومعناه أنهم أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول : أحمد إليك فلاناً وأذمه إليك . وأما شياطينهم فهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم ، أما قوله : إِنَّا مَعَكُمْ